سميح القاسم.. نورٌ .. يزداد توهّجا…

» حامد الحلبي - 11/10/2014

حامد الحلبي

= عندما توفي المجاهد والقائد العربي الكبير/ سلطان باشا الأطرش/ عام  1982 ، كتب/ سميح القاسم / : { إنّ أبطالاً مثل : (عبدالكريم الخطابي وعبد القادر الجزائري وعمر المختار ، وسلطان الأطرش ، عند ولادتهم تشرق الحياة ، وعند موتهم تتوهّجُ الحياة …) .

= صدقتَ يا سميح .. فهذا الكلام البليغ ، ينطبق عليك أيضا أيها المبدع المناضل … فأنت وأمثالك من الراحلين  من مبدعي شعبنا الفلسطيني ، كنتم مناراتٍ في مسيرته  و مسيرة أمتنا العربية ،…. وبعد موتكم ارتفعتم لتصبحوا شموسا تضيء الطريق أمام الأجيال القادمة …

= بوفاة جسدك- أيها النقي – سيزداد التوهّج العظيم في تراثك الإبداعي و الأدبي والوطني و القومي الرائع ، الذي اثريت فيه حياتنا على مدى ثلاثة ارباع قرن من الزمن …

= لقد كنتَ مع شقيقك في الإبداع و النضال  / محمود درويش / رمزين من أبرز ، و أشرف ، و أعظم ، رموز فلسطين والنضال العربي ، … حياتكما الشخصية ، هي سيرة قضيتكما الوطنية … لقد اندمجتما مع فلسطين … أرضا و أهلا…. فمـَن يقول : /فلسطين/، يعـنـيكما ، ومن يلفظ اسميكما ، يعني فلسطين .. هو التزام المثقف المبدع بأبناء شعبه وقضاياهم وهمومهم ..

= إنك –  يا سميح  – آخر عمالة الشعر الفلسطيني المعاصر … وسيمضي وقتٌ ليس قصيراً ، ليعطي الشعب الفلسطيني قاماتٍ شامخة ، مثلك  أنت و صديقك محمود درويش والاخرين .

= لم تكن شاعرا وطنيا فقط  ، بل حملتَ هموم  أُمتك العربية، والهمومَ الإنسانية العميقة.. وانعكس ذلك على شِعرك وإبداعك المتنوع ،… لقد دمجتَ الثقافة العالية الرفيعة ، والابداعَ الأدبي الرائع ، وجعلتَهما في خدمة أرض فلسطين وشعبها والعرب عموماً ،… فكنت/ شاعر العروبة/ و/شاعر المقاومة / بحق ،

انت وزملاؤك الاخرون .

== أذكركَ /أيها الكبير/ ، وأذكر لقاءاتنا في دمشق، خلال مجيئك في زيارة مع وفد عرب فلسطين ال 1984 عام 1997…. لقد كانت تلك اللقاءات إضافةًً كبيرة الى معرفتي ، وعاطفتي، ووجداني …

عرفـتــُك عن كثب ، بعد ان عرفتك بأشعارك ، وكتاباتك ، ومواقفك الاصيلة الكبيرة وطنيا و إنسانيا ، ولا أنسى روعة شرحك للصحفيين عن أوضاع عرب ال 1984 ومحاولات التفرقة الطائفية بينهم التي تقوم بها إسرائيل والصهيونية ، وكيف يقوم بعض العرب — في داخل فلسطين وخارجها– بتبنّي تلك المقولات /عن جهل أو عن خبث/ وخاصة في محاولات تشويه سمعة بعض الطوائف العربية  في فلسطين/ … وانتقادك النظام الرسمي العربي، الذي لم ينفتح على عرب ال 1984 ، وزاد من العزلة التي تفرضها إسرائيل عليهم… وحرصك الكبير على الوحدة الوطنية لكل الفلسطينيين ، وعلى دعم جهود الوحدة العربية، واعتزازك الكبير بالتراث العربي العريق، أدباً، وحضارةً، ومساهمةً في إغناء  الإنسانية.

==  لقد أمضى /سميح القاسم / حياتَه كلّها ، عطاءً دائماً ، كالنبع الصافي الغزير .. وبهذا كان جديراً بالتكريم في حياته ، وفي مماته … وفي قلوب الأجيال القادمة … ومن آخر حفلات التكريم ، حفل الأربعين الذي أقيم له في بلدته الرامة في 10/10/2014….. وهنا نستذكر ان فكرة إقامة حفل الأربعين لتكريم المتوفى ، هي بالأساس فكرةٌ ، و طقسٌ  ، من الحضارة المصرية القديمة ،.. حيث كانت تجرى المراسم الجنائزية لدفن الميت بعد أربعين يوماً من وفاته (وهي المدة اللازمة لإتمام عملية التحنيط لجسده) … فالتحنيط بالأساس فكرةٌ لتخليد الانسان … وهي ناتجة عن عدم اقتناع البشر ، بان الموت هي نهاية الانسان …

= في أربعينك يا /سميح/ وفي كل يوم … يتجدد تخليدك … كما الينابيع ، و الشجر ، والورود ، وتــَوالد البشر … وتجدُّد الحياة ….. لقد رفضت التحنيط — بكل اشكاله — في حياتك  ، سواء أكان التحنيط فكرياً ،أم أدبيا ، أم سياسيا.. أو أيّ شكلٍ من  أشكال الإنتماءات الضيقة …

= لقد كنتَ مصرّا على عروبتك وإنسانيتك ، القائمتين على فلسطينيـّتـك. من خلال نظرةٍ توحيدية إنسانية جامعة منفتحة ومتجددة .

 ==وإذا كان يصعب الإلمام بإبداع /سميح/ في مقال … فان الإطلالة على بساتينه ممكنة  ،لنقـطف من كل ّبستان وردة  :

= في عام 1984 أُقيمت ( إسرائيل ) فوق الأرض الفلسطينية ، وبقي عدد قليل من عرب فلسطين في أرضهم تحت الحكم الإسرائيلي … فكان الموقف البديهي لهؤلاء هو تمسّكهم بما تبقى من أرض فلسطين ،      وقد  عبـّر سميح عن ذلك  قائلا : ((= ويعبر التاريخُ … أحزانُه .. ركضٌ ، وفي ساحاتنا ركضُ

نقولُ للمـُرهـَق في ليلنا
لا يصمـُد الليلُ …إذا وَمْض
نحن هـُنا … نحن هـُنا … فاهدئي
واستبشري أيتها الأرضُ

   =ترافقت السيطرة على الأرض ، بمحاولة إلغاء الهوية القومية لعرب فلسطين 1984  ،  فأجابهم سميح :

= (( … مثلما تنهضُ ساق القمح في الأرض الجـَد يــبـة…

         مثلما يحملُ تلميذٌ حقيبة …

         مثلما تعرف صحراءٌ خصوبة …..

        هكذا تنبضُ في قلبي العروبة …))

= وعزّ على عرب فلسطين ، أن يروا الأغراب يسيطرون على أرض آبائهم وأجدادهم ، فقال سميح:

 (( … قطرة من دمِ عيسى ..

       سقطتْ من جــَفـن مريم ..

     يا دمي ، قـُمْ ، وتكــلّم ْ…

    غصّت الأرضُ مَجوسا !! ))

= ورأى معاناة أبناء شعبه اليومية وعذاباتهم …فقال :

(( آن للحنطة ِ أن تنضج في مرجِ ابتهالاتي الفســــيــح

  آن  أن ينزِل عن صُلبانهم : حـُبـّي ، وشعبي ، والمسيح )) .

=ومن ضمن معاناة فلسطين كانت معاناة / القدس/….احتلالاً ، وتهويداً ، وتشريداً لأهلها فقال :

(( وها أنتَ تمشي ، من الشّمسِ للقـُـد سِ

  والقدس تمشي إليَّ ، من الشـــــمـــسِ ))  .

=ورغم الأسى والمآسي …. لم يفقـِـد سميح التفاؤلَ والعزيمةَ ، لتحقيق الحرية ، فقال باسم الشعب الفلسطيني :

بيدٍ ، أُغلقُ أبوابَ جراحي
ويدي الأُخرى على بابِ الصّباح
فافهموا – يا سادتي – أُخبركم
إنني صاحٍ ، أُعــيـدُ القولَ ، صاحِ
ألفُ هولاكو ، أنا أغرقـتـُهم
في دياجيري ، وأطلعتُ صباحي
ينتهي العدوانُ غيما عابرا
وأنا أبقى ، وحـُبـّي ، وكــفـاحي

= تنوعت جوانب الإبداع لدى سميح ، وكانت للعاطفة الإنسانية  منها إشراقات رائعة…منها الحب : (( … صافحـَتــْني … وحينَ مـَـضـَتْ …رافـَـقـتـْها ذراعي …ضاعـتـا في الضّياعِ …)) .

=وكذلك كانت له المطوّلات الشعرية الملحمية الرائعة …….وكذلك ، في التأمـُّل الفلسفي عن استمرارية دورة الحياة ، وعن جسد الإنسان (( الذي ليس لي )) قائلا :

(( ليسَ لـِــي ، غير هذا الذي ليسَ لـي …

  وأنا مـُد رِكٌ …. مُــدركٌ ..

 أنـّـني …. آخِـري ، أوَّلـــِي .. )) .

= ويبقى الهم الوطني الفلسطيني والعروبي هو الشـّغل الشّاغل لإبداع سميح فيقول :

(( لم أمـُت بـَعـدُ … ها أنا  ذا  لم  أزل … جُـثـّتي فـيْـلَـقـي … حارساً خندقي … بين أهلي الطُّغاةِ ثمود …. وطُغاةِ اليهود … ذاهبٌ …. كي أعود .. )) .

= ويخاطب الاحتلالَ الذي طالَ قائلا :

(( وسواءٌ ، قـَصُرَ الحسبـانُ ، أو طالَ الحِسابْ … هذه الوردةُ … من هذا التـــُّــرابْ  ))……

= لقد عاش / سميح القاسم / — ابن فلسطين والعروبة والإنسانية ، البار— كما قال :

(( منتصبَ القامةِ أمـشي … مرفوع َالهامةِ أمشي

  في كفِّي قـصـفـةُ زيتونٍ …. وعلى كـتـِـفي نعــشي ))…

ولقد غطت قصفة الزيتون الفلسطيني العريق ، نعشَ تلك (( القامة المنتصبة ))  وتلك (( الهامة المرفوعة ))  في يوم  وداعه الأخير في/ الرامـة  / حيث تعطـَّـر تراب فلسطين به … وهذا العـِطر، سيبقى مـُنتشرا وباقياً مع فلسطين وشعبها ، ومع نور / سميح / الذي ازداد توهـُّجا يومَ وفاته ….

حامد الحلبي

  • المرسل:  مهتم

    لا فُض فوكَ أيها المخلص والمتوهج بإخلاصك لوطنك الكبير قبل الصغير!!!!…. منانا أن يدفع الله عنكم كل مكروه ويجزيكم ثواب غربتكم عن موطنكم- مسقط رأسكم ، فليجمع الله شملنا يا أوفى الأوفياء !….

    • المرسل:  حامد الحلبي

      شكراً لاهتمامك أخي ال / مهتم / .. وهذا /الإهتمام /، أعتز به وأتشرف …وشكراً لكلماتك الجميلة ، ومشاعرك الأهلية الصادقة …إن الحديث عن رمز وطني و فكري و إبداعيٍّ كبير بقامة / سميح / ليس مسألة مديح لشخص ( رغم استحقاقه المديح ) ..بل هي ترسيخ للقيم التي مـثـّلها ذلك الشخص …لتبقى خالدة عبر الزمن ..وتستفيد منها الأجيال …لقد نذر نفسه للهمّ العام .. أي للناس .. فمن الطبيعي أن توافيه الناس بالتكريم والتقدير ، ويبقى خالداً في قلوبهم ……شكرا لك مكررا ,تحياتي لكم …

    x
  • x
  • x
    جميع الحقوق محفوظة لموقع " جولاني". يمنع إستخدام اي مادة من مواد الموقع دون اذن خطي من إدارة الموقع
      لافضل تصفح للموقع يرجي استعمال Chrome او Firefox او Internet explorer 9 او احدث



    عرض نسخة المحمول