الأزمة الأوكرانية تغيّر النظام العالمي

بدا أن زيارة المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، وزيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري، لروسيا تشيران إلى احتمال تسوية الأوضاع بين روسيا والغرب، إثر اندلاع نزاع على أوكرانيا بينهما في 2014. وتوقع بعض المراقبين أن تفضي الزيارتان إلى مناقشة نظام أمني جديد في أوروبا. لكن في الواقع، الأزمة في أوكرانيا لم تكن أوكرانيّة فحسب أو حتّى أوروبيّة. فهي تدور على شكل النظام العالمي. وهذا النزاع هو حلقة من حلقات العلاقات المتغيرة بين القوى في العالم، في وقت تسعى الولايات المتحدة إلى حفظ هيمنتها.

والحقّ أنّ الاتحاد الأوروبي في الوقت الحالي هو خارج المنافسة. وأثبتت الأزمة في أوكرانيا افتقاره إلى استراتيجية ورؤية والسرعة في التعامل مع الأزمة. وفاقمت بروكسيل الأزمة بواسطة مبادرتها للشراكة الشرقية، وأخفقت في مجاراة التغيير الحاصل في كييف، وتبدو غير جاهزة لدعمها اقتصادياً.

وسلط النزاع العسكري الضوء على دور حلف شمال الأطلسي (الناتو) والولايات المتحدة، وضعف دور الاتحاد الأوروبي. وألمانيا، التي إثر أزمة اليورو تحولت إلى زعيمة الاتحاد الأوروبي، مضطرة إلى قبول مشاركة دورها القيادي، مهما كان متواضعاً، مع أميركا. وعليه، أمن أوروبا غير مستقر. والمشكلة الروسية التي تركت من دون حل منذ نهاية الحرب الباردة، لا يمكن تذليلها من طريق استبعاد روسيا: فوزنها كبير ولا تتراخى في الدفاع عن مصالحها.

وأخفقت العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا والعزل السياسي في بلوغ الهدف المعلن: حمل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، على تغيير مساره. ويسوق الأوروبيون خطاباً منذ 15 شهراً يصور التفاوض مع بوتين حول أوكرانيا على أنه في مثابة انتحار سياسي للقادة الغربيين. ومثل هذا التفاوض يعتبر على المستوى الاستراتيجي تراجعاً أميركياً لا تقتصر آثاره على أوروبا بل يتردد صداها في جميع أنحاء العالم. وعليه، لن يبرز نظام أمني مستقر في أوروبا في المستقبل القريب. وفرص اتفاق مينسك-2 – الذي التزمت الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وأوكرانيا وروسيا دعمه- ضئيلة. والأغلب ألا تقبل كييف بإرساء نظام فيديرالي في أوكرانيا ومنح الدونباس صلاحيات «أوسع من الحكم الذاتي»، وهذا الإقليم لن يتخلى عن السيطرة على الحدود الأوكرانية مع الروسية. وفي هذه الظروف، أقصى ما يؤمل هو هدنة مستقرة، مع بعض العلاقات الاقتصادية والإنسانية بين طرفي الانقسام والتواصل المنتظم بين المسؤولين.

وخلاصة القول أن العزاء الوحيد للغرب في هذه الحال هو التبجح بأنّه «أوقف بوتين»، فلم يشن المتمردون هجوماً على ماريوبول، ولم يتقدم الروس إلى خاركوف أو أوديسا، وطوي مشروع نوفوروسيا (روسيا الجديدة). وترانسنيستريا هادئة، والوضع القائم في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية مستقر على حاله. وأعلنت مولدافيا توجهها نحو الغرب، وتستضيف جورجيا تدريبات أميركية. والأهم أنّ روسيا لم تزعج دول البلطيق التي حازت دعم الأطلسي المعنوي والعسكري. وكل هذا صحيح، ولكنه ليس مدعاة تبجح. فالكرملين لم يسع إلى بعث الاتحاد السوفياتي أو النفوذ السوفياتي في أوروبا. والتغييرات التي ترتبت على الأزمة في أوكرانيا ليست جغرافية فحسب بل استراتيجية ونفسانية. فروسيا تخلت عن سياسة الاندماج في الغرب والتحول إلى جزء من النظام الأوروبي- الأطلسي، وعادت إلى قاعدتها الرئيسية في أوراسيا.

وصارت علاقات روسيا بالصين على القدر نفسه من أهمية العلاقات بالولايات المتحدة. وقد يحفز التفاهم الروسي – الصيني التنسيق والتعاون في منظمات مثل مجموعة دول «بريكس» (البرازيل والصين والهند وجنوب أفريقيا وروسيا) ومنظمة شنغهاي للتعاون. ومع الزيارة التاريخية لرئيس الوزراء الهندي، نارندرا مودي، إلى الصين وانضمام الهند المرتقب إلى منظمة شانغهاي للتعاون، تسعى موسكو إلى توطيد العلاقات بين أطراف هذا المثلث أو الثلاثي الكبير.

ويقتضي تغيير النظام العالمي وقتاً طويلاً، وهو وقت يغلب عليه الاضطراب وغياب الاستقرار. وإلى وقت قريب، كان الشرق الأوسط ساحة التنافس بين القوى الخارجية، وأوروبا، كانت المنطقة الأكثر استقراراً في العالم. والوضع الداخلي في أوكرانيا اليوم محفوف بالمخاطر. ومنطقة البلقان بعيدة من الاستقرار، وهذا ما نبهت إليه الحوادث في مقدونيا. وبريطانيا قد تسلك طريق الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. وتركيا، إثر منعها من الدخول إلى الاتحاد هذا، تسير اليوم في مسارها الخاص، داخلياً وخارجياً. ولكن أبرز التطورات التي سترسم وجه مستقبل العالم، ستجري في آسيا. ولذلك من المهم أن يأخذ اللاعبون هناك العبرة من حوادث أوكرانيا.

+ -
.