جبهات التقدم العلمي في محاربة السرطان

بينما ينحدر العالم إلى العنف، ويتقهقر هذا الشرق إلى التطرف الديني الذي يرسّخ ثقافة الجهل، تتقدم المعرفة على جبهات عدة ضد ألدّ أعداء البشرية، لقهره ولإخضاعه تحت سلطة العلم. وفي مثل هذا اليوم سنوياً، تقف الإنسانية بخوف أمام هيبة الرعب الذي يسببه السرطان، وتسأل إن كان هناك ضوء في «آخر هذا النفق المظلم والطويل». والجواب وبكل تأكيد هو أن الظلام يتبدد بسرعة. كما أن دائرة الضوء تتسع وتكبر يوماً بعد يوم.

في السنوات الأخيرة، تمددت المعرفة على مساحات واسعة في جبهتين: جبهة علم الجينات وجبهة علم المناعة. على الجبهة الأولى، كانت مدينة لندن العام الماضي مسرحاً لدراما مثيرة، وتناولت وسائل الإعلام قصة ليلى، الطفلة التي كانت تصارع الموت في أحد مستشفيات المدينة، نتيجة إصابتها باللوكيميا. وعندما باءت جميع العلاجات التقليدية بالفشل، جاء الأطباء ليطلبوا من أهلها القبول بهذا الواقع. إلا أن إصرار الأهل على عدم الرضوخ لليأس، والمضي في معالجتها بأية طريقة كانت، جعل الأطباء يغيرون رأيهم ويغامرون بتجربة لم تكن نضجت بعد. فخضعت ليلى لعلاج اختباري جديد. فأُخِذت خلايا ليمفاوية وأخضِعت في المختبر لتكنولوجيا جديدة، تدعى Genetic Editing وتم بواسطتها تغيير هندسة الجينات. ومن ثم حقنت هذه الخلايا الجديدة في عروق ليلى. لم يصدق الأطباء للوهلة الأولى ما حدث. لقد زالت جميع مظاهر اللوكيميا، وعادت الحياة تدب في جسد ليلى. كان ذلك انتصار الأمل على الإحباط، انتصار التمرد على اليأس. وها قد احتلت هندسة الجينات بهذه الطريقة المبتكرة الخطوط الأمامية للمعركة ضد السرطان. وكنا في السنوات الخمس الماضية استعملنا الجينات في معالجة أمراض سرطانية عدة كالبروستات والبنكرياس والدماغ بنسب متفاوتة من النجاح. وهناك اعتقاد راسخ وهو أن هذه التكنولوجيا الحديثة في هندسة الجينات ستؤدي قريباً إلى تطوير لقاحات متعددة ضد الأمراض السرطانية.

أما الجبهة الثانية فهي معالجة الأمراض السرطانية بواسطة دعم المناعة. وكنا تعلمنا في السنوات العشر الماضية عن علاقة المناعة بالإصابة بالسرطان. فعندما تضعف المناعة كما يحدث في مرض «السيدا»، تزداد الإصابات بالسرطان. وعندما تتحول الخلية الصحيحة إلى خلية سرطانية، تعمل هذه الخلية على استراتيجية جديدة تدمر بها مناعة الجسم وتشل أجهزتها، بحيث تصبح هذه الأجهزة غير قادرة على الاقتراب منها وشن هجوم عليها كما يحدث عادة في أمراض أخرى. وانطلاقاً من هذه المعرفة تمحورت الأبحاث العلمية الحديثة حول تطوير علاجات جديدة تهدف إلى بناء المناعة وتقوية أجهزتها. وها نحن اليوم نملك أدوية عدة قادرة على تحقيق هذه الأهداف. خذ مثلاً الـ Melanoma، أحد سرطانات الجلد. لقد اكتشفنا حديثاً أن نسبة كبيرة من الخلايا في هذا المرض تحمل جينات مسرطنة مثل BRAF وغيرها التي تبني جداراً تمنع بواسطته قوى المناعة من أن تتقدم نحوها وتقتلها. وبالتالي تم تطوير أدوية جديدة مثل Nivolumab و Keytruda لشل وظيفة هذه الجينات وهدم الجدار المانع حتى تتمكن أجهزة المناعة من القضاء على الخلية السرطانية.

كان هذا التقدم العلمي نتيجة الغوص في معرفة الماهية البيولوجية للخلية السرطانية وأنماط تصرفها. إن الطريق إلى القضاء على الأمراض السرطانية يمر إلزامياً بهذه المعرفة. خيارنا الوحيد هو المعرفة. والمعرفة لا تنمو إلا بواسطة البحث العلمي. لذلك نطلب في هذا اليوم بالذات التزاماً بالبحث العلمي ودعمه. وبدل أن يكون هذا اليوم يوم خوف، نريده يوماً نحتفل فيه بالإنجازات التي حققها العلم.

ويسألونك متى يأتي يوم يقضي العلم فيه على الأمراض السرطانية كلها؟ وهنا لا بد أن نتذكر حقيقتين: الأولى أننا نملك اليوم المعرفة الكافية للوقاية من 75 في المئة من الأمراض السرطانية، إن وضعت هذه المعرفة في عهدة السياسات الصحية. والثانية هي أن العلم اليوم قادر على شفاء أكثر من 60 في المئة من المرضى المصابين بالسرطان إن تمكن هؤلاء المرضى من الحصول على العلاجات الحديثة. ولكن المأساة الكبرى هي أن نسبة المرضى الذين ينعمون بهذه العلاجات هي أقل من 10 في المئة.

تعالوا نجعل من هذا اليوم يوم عطاء. عطاء لدعم الأبحاث العلمية. إن العطاء بكل أشكاله عمل كبير، ولكن ليس هناك عطاء أكبر من عطاء الحياة. عندما تلتزم أنت بدعم الأبحاث العلمية، تلتزم أنت بعطاء الحياة. وبذلك تمجد الحياة وتمجد من يهب الحياة.

+ -
.