روبوتات النانو… كائنات ستعج بها أجسادنا مستقبلا

تكتسح اليوم تقنيات النانو العديد من المجالات ويحدث الأمر نفسه بالنسبة للذكاء الاصطناعي وصناعة الروبوتات التي تعيش في أوج ازدهارها وكلاهما يحظى بدراسات علمية على نطاق واسع.
ولأن العلوم والتقنيات لا تتطور بمعزل عن بعضها فإن كثيرا من هذه البحوث ومشاريع التطوير أصبحت تشمل هذين الجانبين معا فيما أصبح يعرف بالنانوروبوتية. وبفضل هذه التقنية قد تتجول في المستقبل غير البعيد آلات داخل أجسامنا لإمدادنا بدواء أو القضاء على داء، وربما لتغيير جزء تالف من شفرة الـ”دي إن أي” أو زيادة ذكائنا.

بزغ عصر النانو عام 1991 باكتشاف الفيزيائي الياباني ساميو ليجيما أنابيب الكربون النانوية ذات الخصائص الفيزيائية الفريدة.

وشهدت الفترة ذاتها تطور استعمال الآلات المبرمجة للقيام بمهام محددة واستعملت الروبوتات لأول مرة في صناعة السيارات عام 1961 وظهر في العقدين الماضيين الكثير من الآلات المستقلة الحركة التي بإمكانها التفاعل مع الكثير من المواقف بفضل الذكاء الاصطناعي، وتدخل اليوم في كل الصناعات الدقيقة والمتطورة.

وبالتوازي مع ذلك عمل الباحثون على مستوى البيولوجيا على تطوير تقنيات لصناعة آلات باستعمال جزيئات عضوية يمكن التحكم فيها وتوجيه حركتها داخل الجسم. وكان لا بد من أن ينتج عن تفاعل هذه المجالات الثلاثة مع تطورها مجال جديد هو النانوروبوتية.

إنجازات
يُعدّ مصطلح روبوت النانو مصطلحا حديثا جدا إذ يعود أول استخدام له إلى عام 2004. والروبوت النانوي هو روبوت بحجم تقل أبعاده عن عشرة مايكرومترات -حجم المايكروب- ويتم تصنيعه باستخدام تكنولوجيا النانو أو من جزيئات حيوية وقطع من الحمض النووي الصبغي ( دي إن أي). كما يطلق هذا المصطلح أحيانا على الآلات التي تستعمل لمعالجة المكونات التي لها أحجام في نطاق 1 إلى ألف نانومتر.

والروبوتات النانوية هي أدوات المستقبل وهي اليوم في مرحلة التطوير والتجريب ومن المتوقع أن تستخدم في العديد من المجالات العلمية مثل الطب والبصريات والفيزياء والإلكترونيات والكيمياء. وسوف تساعدنا على تطوير تقنيات التصنيع الجديدة والرعاية الصحية والحفاظ على بيئة نظيفة.

تجارب ناجحة
سجل خلال السنوات الماضية العديد من النجاحات لتطوير روبوتات صغيرة أبرزها ما توصل إليه الباحث الأسترالي جيمس فراند وفريقه عام 2009 عندما تمكن من صنع روبوت “بروتوس” وهو عبارة عن أنبوب بقطر ربع مليمتر يتحرك بفضل زعانف تعمل بالكهرباء الضغطية (خاصية لبعض المواد على توليد كهرباء عند تعرضها لضغط مثلا).

وفي عام 2013 طور مجموعة من العلماء في كوريا الجنوبية روبوتًا نانويًّا باستطاعته الكشف عن أمراضالسرطان والمساعدة فى علاجها باستخدام بكتيريا معدلة وراثيا من خلال الكشف عن مواد أو بروتينات فريدة تنمو بصفة كبيرة عندما توجد الخلايا السرطانية.

وفي يناير/كانون الثاني 2015 تمكن علماء من جامعة كاليفورنيا من إيصال دواء بصورة مباشرة إلى أنسجة أمعاء فأرة حية باستخدام روبوتات نانوية يبلغ طولها 20 مايكرومترا تعمل بواسطة التفاعل الكيميائي بين مادة الزنك التي تغلفها مع بعض الأحماض الموجودة داخل الجهاز الهضمي.

وآخر التجارب في هذا المجال هو تمكن العلماء في جامعة كامبريدج البريطانية من تطوير محرك لقيادة الروبوتات النانوية يعمل بتفاعل كرات ذهبية نانوية مع بوليمر هلامي. إذ تتماسك جزيئات الذهب مع البوليمير عندما تفوق درجة الحرارة 32 درجة مئوية ويتباعدان عند هبوط درجة الحرارة إلى ما دون ذلك.

طور جديد
تؤسس هذه التجارب والنجاحات وغيرها لطور جديد من التقدم التقني يشمل -حسب المختصين في هذا المجال- أربع مراحل بدأت أولاها مع منتصف العقد الأول من القرن الحالي بتطوير المكونات الحيوية التي ستستخدم لتصميم الروبوتات النانوية وستبلغ مرحلتها الرابعة بعد أقل من عقدين وهي مرحلة التصنيع الآلي لهذه الروبوتات التي سيكون بإمكانها العمل في شكل مجمعات لإنجاز مهمة معينة وتطوير قدراتها بالتعلم الذاتي.

مع تطور هذه التقنية سيكون بإمكان روبوتات النانو رصد وتشخيص الوظائف الفيزيولوجية المختلفة داخل الجسم بمراقبة مكونات الدم وضغطه وبعض الإشارات الكهربائية الفسيولوجية وإرسال هذه المعلومات إلى خارج الجسم أو تحليلها مباشرة للكشف عن وجود ورم في وقت مبكر. كما سيكون بمقدور بعض هذه الأجهزة حمل الأدوية مباشرة إلى العضو المصاب أو تعديل مستوى السكر أو الأوكسيجين في الدم عند الحاجة.

وباستخدام أكثر من روبوت نانو، يمكن للأطباء التدخل جراحيا على جزء صغير جدا من الجسم وهو ما يقلل من خطر الصدمة أو النزيف. وسيتيح الحجم النانوي لهذه الروبوتات إمكانية الوصول إلى مناطق الجسم غير المتاحة للتدخل البشري خاصة يدويا مثل إجراء العمليات في جزء من الجسم دون الحاجة إلى فتح المريض عن طريق الحقن مباشرة في الجسم. كما سيكون بعضها قادرا على السير (أو السباحة) عكس مجرى الدم في الشريان والوصول إلى المنطقة التي تحتاج إلى التدخل وإجراء عملية فيها باستخدام أدوات مصغرة يتم التحكم فيها عن بعد من قبل الجراح.

وسيكون باستطاعة العلماء إنتاج روبوتات قادرة على تنظيف الرئة وإزالة التجلطات الدموية داخل الأوردة وأخرى تؤدي دور الخلايا العصبية لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من تلف الخلايا العصبية وإجراء عمليات في الدماغ. وستُصنّع روبوتات نانوية أخرى صغيرة بما يكفي للوصول إلى الخلية الحية لتعديل الأحماض النووية وبالتالي الشفرة الوراثية.

وستقوم روبوتات نانوية بدور أجهزة الاستشعار لتوفير المعلومات عن المنتجات العضوية والغذائية ومكوناتها ومدى صلاحيتها للاستهلاك وهذا من شأنه أن يخفض من الهدر الحالي الذي تفرضه تواريخ انتهاء الصلاحية بسبب هوامش الأمان الكبيرة كما يمكنها أيضا تقديم معلومات أكثر تحديدا بشأن مكونات المنتج.

إضافة إلى الاستعمالات الطبية يمكن استخدام الروبوتات النانوية الحيوية لإعادة تدوير النفايات ومراقبة مصادر المياه والعمل على تنقيتها عند الحاجة. كما أنها ستستخدم في تصنيع مواد نانوية وروبوتات نانوية أخرى أو أجزاء منها كالرقائق والمعالجات والدوائر الإلكترونية في مستوى حجم النانو.

ولبلوغ تلك المراحل المتقدمة يتعين إزالة العديد من العقبات وأهمها المواد التي ستصنع منها تلك الآلات الدقيقة، فإلى حد اليوم لا نملك التقنية اللازمة لتصنيع روبوتات النانو دون الاعتماد على المواد العضوية من جزيئات وأجزاء الدي إن أي. كما تمثل مصادر الطاقة التي ستستعمل في تشغيلها مجالا هاما للبحث رغم أن بعض مصادر الطاقة كالكهرباء الضغطية بدت مصدرا مقبولا يمكن الاعتماد عليه مستقبلا.

_____________
*إعلامي تونسي متخصص في الشؤون العلمية

+ -
.