لغز «المادة المُظلِمَة» في الكون زاده «الجُسَيم – إكس» غموضاً

على رغم أن العلماء لم يروها بالعيون ولا بالأجهزة، ولذلك سمّوها المُظلِمَة، إلا أنها لا تكف عن مفاجأتهم المرّة تلو المرّة، خصوصاً منذ مطلع القرن الجاري الذي شهد تكريس «وجودها» المُخاتل. وفي أحدث أخبارها التي شغلت وسائل الإعلام منذ مطلع شباط( فبراير) الجاري، استنتج العلماء أنها مُكوّنة من تركيب أساسي مجهول، بمعنى أنها تغاير كل ما يعرفوه عن التراكيب الأساسيّة للمادة وذرّاتها، بما فيها تراكيب المادة- المُضادة «أنتي- ماتر»Anti- Matter. إنه تركيب مجهول، سمّاه العلماء «الجُسَيم إكس» Particle- X، تميزاً لها عن جُسَيمات المادة ومُضادها (إلكترون، بروتون، نيوترون، نيوتريون، بوزيترون، كوارك، بوزون…).

وتعبّر المادة المُظلِمَة عن نفسها عبر قوّتها، بالأحرى جاذبيتها، على رغم أنها تعمل بطريقة غير مألوفة أيضاً.

وفي لقاء لـ «الحياة»، مع عالِم الفضاء اللبناني جورج حلو، الذي يعمل في وكالة «ناسا»، أعرب حلو عن اعتقاده أن «المادة المُظلِمَة» قد تغيّر جذريّاً نظريات الفيزياء الكونيّة، بما فيها نظرية النسبية التي وضعها آلبرت إينشتاين. (أنظر «الحياة» في 23 كانون الأول- ديسمبر 2011).

ووفق علماء جامعة «ساوثهامبتون» البريطانية تبيّن أن «الجُسَيم- إكس»، هو اسم يذكّر بـ «الأشعة- إكس»، هو أيضاً فائق الغموض والإبهامً. وأطلق العلماء على ذلك المُكوّن إسم «الجُسَيم إكس» Particle-X. إذ توصل أولئك العلماء، بعد بحوث مضنية، إلى تحديد كتلة «الجُسَيم – إكس»، مقدّرين أنه يصل إلى 0.22 في المئة من كتلة الإلكترون، وهو المكوّن الكهربائي الذي يدور حول نواة الذرّة. وشدّد العلماء على أن وجود ذلك الجُسَيم ما زال تخمينيّاً Hypothetical، بمعنى أنه يستند إلى معادلات في الرياضيات والفيزياء، مع الإشارة إلى أن خفّته الفائقة تزيد في تعقيد الصورة العلميّة عن المادة المُظلِمَة.

ونشر العلماء البريطانيون نتائج بحوثهم في مجلة «التقارير العلميّة»Science Reports، ووضعت صحيفة الـ «إندبندنت» ملخَصاً عنه على موقعها الشبكي.

وصرّح البروفسور جايمس باتمان، من قسم الفيزياء والفلك في «ساوثهامبتون»، أن «الجُسَيم الذي اكتشفناه يبدو «جنونيّاً» في خفّته الفائقة، لكن لا نملك معطيات ولا قياسات كي نستخدمها في دحض وجوده الخفيف تماماً».

يذكر أن العلماء لم يتمكنوا حتى الآن من رصد «المادة المُظلِمَة» بصورة مباشرة، ما يتيح مجالاً للقول إن الخفّة الهائلة لمكوّنها الأساسي، أي «الجُسَيم – إكس» هي سبب في ذلك الخفاء المثير.

الكون أكبر كثيراً

لأخذ فكرة أوسع عن هذا الموضوع، يكفي القول إن علماء الفيزياء يظنون حاضراً بأن كل ما يمكن رؤيته من كواكب ونجوم ومجرات وسواها، يشكّل 4 في المئة من الكون. وكذلك تشير ملاحظات اختصاصيي الفيزياء الذريّة إلى أن المادة المُظلِمَة تمثل قرابة 23 في المائة من الكون، فيما الجزء الباقي يتكوّن من «الطاقة المُظلِمَة»Dark Energy، وهي القوة التي يُعتَقَد أنها تتسبّب بتوسع الكون المتسارع، مع الإشارة إلى صعوبة التفريق بين «المادة المُظلِمَة» و «الطاقة المُظلِمَة»!

وثمة مشكلة اخرى قوامها أن المعطيين السابقين لا تصدر عنهما أشعة إلكترومغناطيسية كالحال في النجوم والكواكب، ولا يمكن «رؤيتهما» إلا عبر تأثيراتهما، خصوصاً قوة الجاذبية.

وبسبب خفائها ومكوّناتها، يميل كثير من العلماء إلى الاشتباه بأن المادة المُظلِمَة عبارة عن جزيئات كبيرة ضعيفة التفاعل، ما يجعل دراستها أمراً صعباً جداً.

وما يعرفه علماء الفيزياء حاضراً هو أنه عندما تصطدم جزيئات كبيرة ضعيفة التفاعل بجزيئات مُضادة لها (وتعرف باسم «الاندثار» أو «التلاشي»)، تصدر مُخلّفات عن التصادم هي بمعظمها جزيئات «كوارك» ثقيلة وجزيئات «ليبتون». كما يعرف العلماء أنه عندما يصطدم الـ «كوراك» والـ«كوارك المُضادّ» Anti Quark، ينتج دفق من جُسَيمات، لكنه يحوي فوتونات تؤلّف الضوء.

وفي تجربة «جامعة براون»، عمد كوشياباس وغيرينغر-سميث أساساً إلى السير رجوعاً في مسار التفاعل التسلسلي للاندثار. فاختارا سبع مجرّات قزمة تظهر مراقبتها أنها مليئة بالمادة المُظلِمَة، بمعنى أنه ليس من الممكن تفسير حركة نجومها إستناداً إلى كتلتها وحدها. ولا تحتوي تلك المجرّات القزمة على غاز الهيدروجين وغيره من المواد الاعتياديّة، ما يعني أنها توفر خلفية خالية تتيح مراقبة المادة المُظلِمَة وتأثيرها بشكل أفضل.

وأشار كوشياباس إلى تلك الميزة بقوله: «إن نسبة الإشارة أعلى كثيراً من نسبة التشويش. إن تلك المجرّات القزمة هي نُظُم نظيفة حقاً».

وفي ذلك السياق، حلّل الباحثان بيانات «أشعة غاما» التي جمعها «مرصد فيرمي» خلال السنوات الثلاثة التي سبقت الدراسة، عبر رصد مجموعة من مجرّات قزمة. وتوصّلوا الى تحديد عدد الفوتونات في تلك المجرّات. واستناداً إلى عدد الفوتونات، تمكن باحثا «جامعة براون» من تحديد معدل إنتاج الكوارك، ما أتاح لهما معرفة حدود كتلة جزيئات المادة المُظلِمَة والمعدّل الذي تندثر به.

وحينها، لفت كوشياباس إلى أنها المرة الأولى التي أُجريت تجربة من هذا النوع، مع استبعاد الجزيئات الكبيرة الضعيفة التفاعل، التي ربما تكون هي المُكوّن فعلياً لغالبية المادة المُظلِمَة في الكون.

وكذلك ذكر الباحث النيويوركي غيرينغر- سميث، أنّه وضع إطاراً لعمل إحصاء مهمته تحليل البيانات. ثمّ طبق مُعطيات هذا الإطار على الملاحظات المتعلقة بالمجرّات القزمة. وقال: «يبدو أننا نعيش وقتاً فائق الإثارة في مجال البحوث حول المادة المُظلِمَة. بات في حوزتنا كثير من أدوات الاختبار، بحيث أنها تواكب الأعمال النظرية عن حقيقة المادة المُظلِمَة. وبقول آخر، شرعنا في اختبار تلك النظريات».

والطريف أن ما توصّل إليه علماء «ساوثهامبتون» في 2015، أدّى إلى الإطاحة بالمعطيات التي توصل إليها غيرينغر- سميث نفسه، ولم يمض عليها سوى أقل من ثلاث سنوات!

+ -
.