هل يمكن لمظلة عملاقة تُقام في الفضاء الحد من ارتفاع حرارة الأرض؟

قد يؤدي الارتفاع المتسارع في درجات حرارة الأرض إلى حدوث مشاكل جسيمة للشعوب في العقود القادمة، ولكن هل من الممكن أن تسهم مظلة عملاقة تقام في الفضاء في تبريد كوكبنا؟

يمثل السباق لإيجاد حل للارتفاع المتسارع في درجة حرارة الأرض أحد أهم التحديات التي تواجه كوكبنا.

ومن بين المقترحات لإيقاف ارتفاع درجة حرارة الأرض مقترح يتمثل في إقامة مظلة عملاقة تقي من الشمس على أن تكون في الفضاء.

نحن نغير طقسنا من دون قصد، فلمَ لا نغيره عمدًا بتطبيق الهندسة الجيولوجية؟

إنها فكرة ستعالج المشكلة من الجذور، وربما تنجح فإن الحدّ من الضوء الذي يصل إلى كوكبنا قد يبرّد الأرض بسرعة، حتى مع ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون.

فبينما حجب النيزك المدمر الذي ضرب الأرض قديما، وأسهم في محو الديناصورات من الوجود، 90 في المئة من أشعة الشمس (بسبب السحابة الضخمة التي تشكلت جراء الاصطدام بالأرض)، يُعتقد أننا نحتاج إلى إنحراف كوكب الأرض بنسبة 2 إلى 4 في المئة فقط، من أجل إعادة الطقس إلى كوكبنا لما كان عليه قبل الثورة الصناعية.

لاقت المظلات التي ستوضع في الفضاء دعمًا كبيرًا على أعلى المستويات، من المجتمع الملكي مرورًا بوكالة ناسا الفضائية، إلى الاتحاد الأوروبي. حتى إنها أثارت اهتمام الهيئة المعنية بالاحتباس الحراري التي تحظى باحترام الجميع، وهي الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتغير المناخي (IPCC).

وفي حين أن الفكرة تزداد انتشارًا، إلا أن تنفيذها يستعصي على التصديق.

فمن أجل تبريد كوكب الأرض تبريدًا متجانسًا في نظام لا يتوقف عن الحركة، يجب أن توضع المظلة في مساحة في الفضاء الخارجي، متوازنة بين الجاذبية الأرضية والشمس، عند النقطة التي تعرف باسم “نقطة لاغرانج الداخلية 1″، التي تبعد ملايين الأميال عن الأرض.

وكان التصميم الأصلي للمظلة، الذي وضع التصور الأول له المهندس جيمس إيرلي في 1989، عبارة عن حاجز زجاجي هائل الحجم يبلغ 2000 كيلومتر اتساعًا، وتعدّ هذه البنية ثقيلة للغاية، ولذا فربما يجب أن تُبنى على سطح القمر.

وتلا ذلك مقترحات أخرى، كان من بينها، سُحُب من غبار القمر، و55 ألف مرآة مقواه بشبكة من الأسلاك، أو حلقة تحيط بالكوكب مكونة من مظلات صغيرة.

وحين تظن أن هذا مبلغ طموحهم، وأنهم سيقفوا عند هذا الحدّ: فما رأيك في زحزحة كوكب الأرض بعيدًا عن الشمس، من خلال إحداث انفجار تعادل قوته خمسة آلاف مليون مليون قنبلة هيدروجينية؟

لكن التحدي الأكبر بمراحل هو وضع المظلة في الفضاء الخارجي، ففي الوقت الحالي، تصل تكلفة إطلاق حمولة تزن طنًا إلى مدار الأرض 10 آلاف دولار على الأقل، فضلًا عن أننا لم نتمكن من وضع إنسان على سطح القمر منذ 1972، فلكي تكون التقنية قابلة للتطبيق، يجب أن تكون المظلة رقيقة للغاية وأن تُجمّع هنا على سطح الأرض.

ويعتقد عالم الفلك روغر أنجل أن لديه الحل، والذي يتمثل في 16 تريلون روبوت فضائي طائر، يزن كل منها نحو جرام، أي نفس وزن فراشة كبيرة الحجم، تعمل على انحراف ضوء الشمس باستخدام شريط شفاف يحوي ثقوبًا دقيقة.

ولكيلا يزيد الحمل عن المطلوب، سيكون سمك العدسات أقل من جزء من مئة جزء من سمك شعر الإنسان ويقول: “لن تستطيع أن توقف ضوء الشمس بأي شيء أقل سمكًا من ذلك”.

ثم تتوجه تلك الطيور الآلية تلقائيًا صوب المدار بواسطة قوة الدفع الأيونية التي تدار بالطاقة الشمسية، وهي تكنولوجيا استخدمتها بالفعل وكالة الفضاء الأوروبية في مسبار الفضاء “سمارت 1، لتكوين سحابة اسطوانية اتساعها 60 ألف ميل.

ثم بعد ذلك يجب أن تدفعها الأقمار الصناعية “شبرد” دفعًا خفيفًا لئلا تصطدم ببعضها بعضًا أو يطيح بها ضوء الشمس الذي وضعت خصيصًا لتحويله عن مساره. ويقول أنجل: “إذا تركت هذه الطيور الآلية من دون تدخل لانحرفت عن مسارها لتسقط في النهاية على كوكب الأرض”.

مدفع كهرومغناطيسي
فإجمالًا، نحن نريد إطلاق ما يعادل 20 مليون طن إلى الفضاء الخارجي، وهو وزن ثقيل جدًا يتعذر نقله بالصاروخ ذي المحرك الكيميائي. ولكن الحلّ الذي اقترحه أنجل مبالغ فيه، بل وكان يعدّ لسنوات أمرًا مستحيلًا، لما ينطوي عليه من تحدٍ لقوانين الفيزياء: إذ يتمثل في تثبيت مدفع كهرومغناطيسي عملاق بداخل جبل.

فسيعجل النظام حركة الشحنة للانطلاق عند قمة الجبل، باستخدام نوع من أنواع الطاقة الكهرومغناطيسية لتحويل الكهرباء إلى قوة دفع. وهذه القوة التي تعرف باسم قوة لورنتز، تستخدم بالفعل في تشغيل القطارات المغناطيسية المعلقة “ماغليف”، وسلاح القوات البحرية الأمريكية الأخير.

فلو تجنبنا استخدام الوقود، قد تنخفض تكلفة الإطلاق لتصل إلى 20 دولارًا أو 13.90 جنيهًا استرلينيًا للرطل، وستكفي لقذف المظلة نحو مدار الأرض في مقابل بضع تريليونات من الدولارات.

ولكن المشكلة الوحيدة هي أن التكنولوجيا نفسها ليست موجودة بعد. إذًا، فالخيار الأسهل والأرخص كثيرًا هو أن نحاكي كارثة طبيعية.

إن الأثر التبريدي (انخفاض درجة حرارة الأرض بسبب تزايد الجسيمات التي حالت دون وصول أشعة الشمس إلى الأرض)، الذي نتج عن ارتطام أجرام سماوية بالأرض وثوران البراكين، مثل تلك التي حدثت من قبل وتسببت في فناء الديناصورات، قد يُحدثه إلى حد كبير انبعاث الكبريت، الذي ينتج من خلال تبخّر الصخور الغنية بالكبريت.

ثم تلتصق الجسيمات ببعضها مع مرور السنين، وتزيد من كثافة الجو لتعكس ضوء الشمس مرة أخرى إلى الفضاء. وقد حدث ذلك مؤخرًا في 1991، حين أدى ثوران بركان جبل بيناتوبو إلى انبعاث آلاف الأطنان من غاز ثاني أكسيد الكبريت. وفي السنوات اللاحقة، انخفضت درجة حرارة الأرض بضع أعشار من الدرجة.

وبحسب التقديرات، فإن كيلوجرامًا واحدًا من الكبريت قد يعوض ما تحدثه مئات الآلاف من الكيلوجرامات من ثاني أكسيد الكربون من تأثير احتراري. وإذا وصل الاحتباس الحراري إلى مرحلة حرجة، فسيكون البركان الاصطناعي الهائل هو ما يحتاجه الكوكب تمامًا.

مخاوف بشأن طبقة الأوزون
ليس من الواضح بعد ما إن كانت المظلة ستنجح إذا ما طبقت عمليًا أم لا فكم سيستغرق انخفاض درجة حرارة الأرض، وإلى أي مدى ستنخفض؟ وهل ستقي المظلة الكوكب بأكمله من أشعة الشمس بالتساوي؟ فإن انخفضت درجات الحرارة، بعد كل هذا، مجرد بضع درجات عما هو متوقع ستفضي إلى نتائج كارثية.

أما دكتور ماثيو واتسون، عالم براكين بجامعة بريستول، فلديه مخاوف أخرى، إذ يقول: “يقول الناس فيما بينهم ‘ربما من دون أن نقصد نبرد درجة حرارة الأرض لتصل حينئذ إلى 20 درجة مئوية تحت الصفر’، أو درجات قريبة من ذلك، وأنا أرى أن هذا كله محض هراء فنحن ندرك تمامًا ما تخلفه البراكين من آثار على درجات الحرارة العالمية”.

ويرى واتسون، أن المخاطر الحقيقية تكمن في المآلات غير المقصودة. فلنأحذ مثالًا طبقة الأوزون، الطبقة الكيميائية التي تحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية المسببة لمرض السرطان.

فقد حظر بروتوكول مونتريال سنة 1987، استخدام المواد الكيميائية التي تسبب تآكل في طبقة الأوزون، وتسمى الكلوروفلوركربون التي كانت تستخدم على نطاق واسع يومًا ما في الثلاجات وعبوات الرذاذ.

وحتى الآن، يظهر في فصل الربيع من كل عام ثقب في طبقة الأوزون فوق القطب الجنوبي، إذ تتخذ المركبات المتبقية التي تحتوي على الكلور من السحب الثلجية سطحًا لتدمر من عليها طبقة الأوزون.

وكما تبين فيما بعد، فإن جسيمات الكبريتات تعد مدمرة لطبقة لأوزون بفعالية كبيرة. وقد كتب ألان روبوك، الأستاذ بجامعة روتجرز، تقريرًا بشأن مخاطر هذه التدخلات.

وقال: “لقد لاحظنا بالفعل تآكل طبقة الأوزون بعد ثوران بركانين كبيرين. وستظل آخذة في التآكل في العالم بأسره، بلا توقف”.

ثم لننظر إلى السماء نفسها، فحتى في اليوم المشمس، قد تحيل الجسيمات الموزعة للضوء السماء الزرقاء إلى اللون الأبيض. ومع وجود حاجز من الشمس مكون من الكبريتات، فستزداد ظاهرة الإشعاع الشمسي المشتت، على عكس أشعة الشمس المباشرة.

ويقول واتسون: “ستلاحظ ذلك عندما تكون السماء ملبدة بالغيوم، فسيكون الضوء موجودًا على الرغم من أنك لا ترى الشمس”. ولكن هذا الاحتمال المقلق، له جانب مضيء.

فعلى الرغم من أنه قد ينبعث من ثوران البراكين كميات هائلة من غازات الدفيئة إلى الجو، فإن تراكم غاز ثاني أكسيد الكربون يتباطأ شيئًا فشيئًا.

ولا أحد يعرف لماذا، ولكن ثمة احتمال أن النباتات تفضل السماء الأكثر بياضًا، فهي تنمو بصورة أفضل، لأنها لا تشعر بشدة الحرارة.

ويقول واتسون: “في الحقيقة، هذه حجة جيدة لدحض هذا النوع من التدخل فإن التنبؤ بالمآلات أمر صعب للغاية لأن النظام معقد لأقصى درجة”.

ومع وضع هذه الاحتمالات غير المؤكدة في الاعتبار، أجرى دان لونت، من جامعة بريستول، في المملكة المتحدة، وزملاؤه، دراسة تقوم على نموذج لمحاكاة الطقس على الأرض، بغية التنبؤ بأثار المظلة القترحة على الطقس.

ويتضمن النموذج ثلاثة تصورات: أولها العالم قبل الثورة الصناعية، أو “العالم في المستنبت الزجاجي أو الدفيئة”، يتضمن مستويات من ثاني أكسيد الكربون في الجو أعلى أربع مرات من المستويات الحالية، ودرجة الحرارة فيه أعلى 6 درجات مئوية عن المستوى الحالي.

و”العالم في وجود المظلة” يتضمن نفس المستويات المرتفعة من ثاني أكسيد الكربون ولكن تقل قوة الشمس فيه بنسبة 4 في المئة، أي أقل بنحو 55 واط لكل متر مربع، وهو نفس القدر المنبعث من مصباح تقريبًا.

وقد وجدوا أن تأثير المظلة يوازن ارتفاع درجة الحرارة في عالم الدفيئة بالضبط، وهذا يعني أن الهندسة الجيولوجية حققت نجاحًا.

لكن لم تكن جميع النتائج إيجابية فمقارنةً بالفترة التي تسبق الثورة الصناعية، كانت درجة الحرارة في المناطق الاستوائية أكثر انخفاضًا بقدر درجة ونصف مئوية، في حين أن درجة حرارة خطوط العرض العليا كانت أكثر ارتفاعًا بقدر درجة ونصف مئوية.

وحتى مع وجود حاجب الشمس الفضائي، لا زال الجليد البحري أقل، وهذا لأن الكوكب بأكمله مُظللّ بالتساوي.

وفي المناطق الاستوائية، التي تتلقى ضوء الشمس أكثر مما يتلقاه القطبين، فإن انخفاض درجة الحرارة بنسبة 4 في المئة يدل على فقد الكثير من ضوء الشمس كما كان “العالم المغطى بالمظلة” أكثر جفافًا، فقلّ فيه هطول الأمطار بنسبة 5 في المئة في المتوسط.

يقول بين كرافيتز، عالم مناخ، لم يشارك في الدراسة “إذا عزمت على تقليل درجة حرارة العالم كما كانت عليه قبل الثورة الصناعية، فإنك حينئذ تجعل الكوكب أكثر جفافًا، والسبيل الوحيد للتغلب على ذلك سيكون من خلال الحفاظ على القليل من البقية الباقية من الاحتباس الحراري”.

وفي هذا العالم، الذي لا يخلو من النقائص، تحصل بعض الدول على مزايا وخيرات أكثر من غيرها فقد تقي المظلة بعض المناطق من الفيضان، بينما تصيب مناطق أخرى بالجفاف.

يقول لونت مفسرًا: “لن تُنقل المظلة إلى الفضاء إلا ببذل مجهود عالمي، ولكن في الواقع، ستتنازع الدول المختلفة فيما بينها من أجل نوع آخر من القوة، وربما تُدبر من أجل ذلك المكائد السياسية بكافة أنواعها”.

إذًا، هل ستتمكن المظلة من الحدّ من الاحتباس الحراري؟

إن محاولة الخروج من مأزق التغير المناخي بالاستعانة بالأساليب الهندسية قد تفضي بنا، على عكس ما هو متوقع، إلى المزيد من التغير المناخي.

ويوافق كرافيتز على ذلك، قائلًا: “ثمة أشياء لن نعرفها قطّ، قبل أن نُشمر عن ساعدينا ونبدأ التنفيذ. فمازال الطريق أمامنا طويلا حتى نفهم ما يمكن أن تحققه الهندسة الجيولوجية وما لا يمكنها تحقيقه”.

فيرى واتسون، أن كل هذا يتوقف على تقييم المخاطر.

ويقول: “منذ عشر سنوات، كان يعدّ ارتفاع درجة الحرارة بمقدار 8.5 درجة مئوية، والذي يكاد يكون تغير كارثي في المناخ، محض خيال، أما اليوم فقد أصبح أمرًا قابلًا للتحقيق”.

وفي ظل هذه الظروف، هل من الممكن أن نتدخل؟ أجاب واتسون: “أعتقد أننا يجب أن نتدخل، وهل يجب أن نبذل كل ما في وسعنا حتى لا يصل بنا الأمر إلى هذا الحدّ؟ بالتأكيد”.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.

+ -
.