أسلاك - ارشيف موقع جولاني
الجولان موقع جولاني الإلكتروني


أسلاك
ناجي فرحات - 19\10\2010
كانت تلك الأمسية من أمسيات شهر حزيران عام 1967 كئيبة، حارة كحرارة الوضع المحيط بقرية المجدل، فمنذ خمسة أيام والجنود يتوافدون إلى أطراف القرية، تنقلهم العربات مدججين بالسلاح والعتاد الحربي، وجوههم مغبّرة، ينأون تحت أعباء أحمالهم الثقيلة، يحفرون الخنادق هنا وهناك، أمام دهشة سكان القرية والحذر الذي أخذ بهم لرؤية هذا المنظر الذي لم يألفوه سابقا، وأخذوا يعقدون المجالس، يتناقلون الأخبار، يهوّلونها أحيانا، ويرسمون لها صورا وردية أحيانا أخرى، إلا أنهم في العموم وككل البسطاء الريفيين كانوا يصنعون من الذبابة فيلا، بين ضحية وعشاها، بالعموم كان الخطر محدقا، وكانوا يحسون بهذا الخطر الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من أبواب منازلهم التي لم يعتادوا إغلاقها يوما.

في تلك الليلة المقيتة السوداء، تتابع محدثتي وهي في العقد السادس من العمر، بلهجتها القروية البسيطة، تلك اللهجة التي تحس فيها بالألم والشقاء وهي تسرد عليك أحداثا عاشتها وعانت منها، وما تزال حتى هذا اليوم.

في تلك الليلة كنت قد بلغت الخامسة عشر من عمري، وفي وقت متأخر بعد منتصف الليل، هزت هدوء المنزل طرقات متتالية على الباب، سمعت بعدها صوت أبي وعمي، الذين كانا صاحيين حتى هذه الساعة على ما يبدو، يتحدثان للمختار ومعه مجموعة من شباب القرية، ثم بعد لحظات دخل أبي وعمي، حيث كنا نسكن نحن وبيت عمي في نفس الدار، أيقظونا جميعا صغارا وكبارا، عائلتي المكونة من سبعة أشخاص، وعائلة عمي المكونة من ستة أشخاص، اجتمعنا كلنا في غرفة المعيشة الكبيرة، وأخبرونا أن قوات الجيش قد طلبت من المختار إبلاغ سكان القرية بضرورة الرحيل عنها والمغادرة إلى دمشق، لأن المعركة باتت وشيكة الوقوع، وحرصا منهم علة حياة الأبرياء، طلبوا من الجميع الرحيل، المسألة لن تتعدى عدة أيام كما قالوا!، سينتهي كل شيء وتعود الأمور إلى سابق عهدها ونعود إلى بيوتنا.

قال أبي: مخاطبا الجميع في الغرفة، ” اجمعوا أغراضكم الشخصية فقط، ما تحتاجونه لعدة أيام، سنترك كل شيء على حاله هنا، وبعد أيام سوف نعود، ودعونا ننطلق بسرعة فالسيارات التي ستقوم بترحيلنا موجودة في ساحة البلدة.”.

وبالفعل لم تمض ربع ساعة، حتى كنا نصطف في طابور، في ساحة البلدة، والسيارات التي تهدر محركاتها تنتظر صعودنا إليها لتقوم برحلتها، إلى دمشق، حيث قالوا لنا أنهم جهزوا لنا مكانا نقيم فيه.

كانت ليلة شاحبة يفوح منها الخوف الحذر، لم يكن أحد يعي ما يحصل فالأمر كله تم بسرعة، لقد تركنا ذكرياتنا خلفنا، والكثير من الأشياء الغالية، كلها أيام ونعود لن تهرب ذكرياتنا أو أشياءنا الثمينة منا!!!

انطلقت قافلة السيارات المكشوفة في موكب حزين، وعلا الغبار على الطرقات الترابية التي كانت تجتازها بين البساتين فكما قيل لنا هذه الطرقات آمنة أكثر من الطرق الرئيسية، بكيت حين رأيت الكثيرين من كبار السن وقد انحدرت دموعهم على خدودهم تحت ضوء القمر، كان بكاؤهم صامتا وقورا لا نحيب فيه، نظرت إلى قريتي المجدل، ولم أكن أعلم أنها المرة الأخيرة لتي سوف أراها فيها، اختلطت أصوات الغناء بالبكاء، تعبت، فنمت، ولم أحس إلا وهم يوقظونني بعد أن وصلنا إلى إحدى المدارس، في أحد أحياء مدينة دمشق المتطرفة، وكان الناس قد بدأوا ينزلون من الحافلات، وكان هناك مجموعة من اللجان موزعين في المدرسة، واحدة توزع الفرش والبطانيات والوسائد، وأخرى توزع الماء، وثالثة توزع الطعام، ثم وزعونا على غرف المدرسة، كل ثلاث عائلات تشاركت في غرفة واحدة، والذين لم يحصلوا على غرف تم بناء خيم لهم في باحة المدرسة، كانت الأعداد كبيرة، وقيل لنا أن هناك على الأقل عشر مدارس مثل هذه تأوي النازحين عن بيوتهم، وكانت تلك أول مرة أسمع فيها هذه الكلمة ”نازح“.

في القرية، وحتى حين يكون هناك عرسا، لم يجتمع أهل قريتي صغيرهم وكبيرهم مثلما اجتمعنا في هذه المدرسة، لقد وحدنا وآلف بيننا التشرد، والغربة عن الديار، ومع أننا كنا وما نزال في وطننا سوريا، إلا أن الإحساس بالغربة لم يزل يرافقنا حتى الآن!.

في كل ليلة كنا نجتمع في بهو المدرسة، أو في الجزء الذي تبقى من باحتها، بعد أن احتلتها الخيام صفوفا متناظرة، وكان الحديث غالبا ما يدور عما كان يجري على الجبهة، وفي قريتنا تحديدا، فهي على الحدود مع فلسطين التي يحتلها اليهود البرابرة المتغطرسين، وعن قرب انتهاء مأساتنا وعودتنا إلى الديار.

مضى أسبوع ونحن على هذه الحال، وما من أخبار عن معركة وقعت، بل هو ترقب لمعركة وشيكة الوقوع، ولن تدوم أكثر من أسبوع، نردع فيها هؤلاء الصهاينة المسعورين، ونعود إلى بيوتنا وحياتنا التي تعوّدنا عليها.

اشتقت إلى مطبخنا ومائدتنا التي كنا نعدها يوميا، أنا وأمي وامرأة عمي وبناتها، اشتقت إلى صراخ الأطفال في أرجاء المنزل وأن أكون مرة لاعبة بينهم، ومرة حكما لفض خلافاتهم، اشتقت لسريري الخشبي المتهالك الذي كنت أتقاسمه وابنة عمي سلمى.

أمضينا أسبوعا على هذه الحال، وذات صباح جاء أحد المسؤولين وأخبرنا أن من يحب أن يذهب إلى القرية ليجلب بعض الحاجيات الضرورية يمكنه ذلك، حيث ستؤمن الحكومة ذهابهم وعودتهم، وبالرغم من أن البعض منا كان سيستطيع الذهاب إلى القرية، ورؤيتها من جديد والاطمئنان على دورهم وأرزاقهم، إلا أن هذا الخبر كان صاعقة جديدة وتبديد لأمل قريب، فهذا يعني أن هذه الحال سوف تطول، ولن نعود قريبا كما أخبرونا، وكما كان الأمل.

قرر عمي أن يعود مع أفراد أسرته إلى القرية، فالأمور سوف تطول، وقد لا يحدث شيئا، وكثيرون مثله اتخذوا هذا القرار، ولم تثنيهم عن عزمهم، كل الرجاءات وتوسلات الآخرين لهم أن يبقوا لفترة أخرى حتى تهدأ الأمور.

في تلك الليلة سهرنا لساعة متأخرة من الليل، وأخذت الأمور منحى لم يكن في الحسبان، فسلمى التي كانت تربطني بها صلة أكبر من القرابة التي بيننا، صلة تمتد لخمسة عشر عاما مضت، قضيناها سوية، فليس لإحدانا ذكريات بدون الأخرى، لقد رجت والدها ورجوته أنا بدوري حتى تبقى معنا ريثما يذهبون ويعودون، أو نلتحق بهم نحن بعد أن تهدأ الأمور، أما أخي إبراهيم ذو الثلاثة عشر عاما، فقد أصر على مرافقة عمي صالح، فهو بدوره كانت تربطه بشقيقة روحه فايزة ابنة عمي، علاقة وطيدة فهما أيضا لديهما ذكريات متصلة بعمق سنواتهما الثلاثة عشر، علاقة أبت معها أي ظروف أن تفرق بينهما، وتحت الإصرار والأمل تقرر بقاء سلمى معنا في دمشق، وذهاب إبراهيم مع عمي صالح، ولم يكن أي منا يعلم ما يخبأه الزمن لنا!.

في صبيحة اليوم التالي ودعنا عمي صالح وأسرته وأخي إبراهيم، وانطلقت من المدرسة حيث مقر إقامتنا حافلتان مكتظتان بالناس ممن أرادوا العودة إلى قراهم.

بعد ثلاثة أيام أصبحت تردنا الأخبار عن اندلاع الحرب، وبدأنا نسمع أخبار غير سارة عن تقهقر قواتنا أمام قوات العدو المدعومة من أمريكا والعالم الغربي، ثم جاء اليوم المشؤوم الذي علمنا فيه أن غالبية قرى الجولان أصبحت تحت هيمنة الاحتلال الإسرائيلي، وأن السكان أصبحوا محتلين ومأسورين مثل الأرض التي احتلت، تشتت شمل أسرتنا فأصبح جزء منها في المجدل تحت الاحتلال، ونحن هنا في دمشق، ولسنوات تلت لم نكن نعلم أي أخبار عن أهلنا الموجودين هناك.

في السنة السادسة تزوجت سلمى، دون أن يحضر والداها عرسها، وهاجرت مع زوجها إلى كندا، وفي السنة التاسعة، توفيت أمي وفي قلبها حسرة لرؤية أخي إبراهيم، وأنا أيضا تزوجت وأصبح لدي ثلاثة أولاد إبراهيم وسلمى وصالح.

منذ خمس سنوات ونتيجة تدخل الجمعيات الإنسانية، أصبح يمكننا الذهاب إلى الشريط الحدودي وهناك بواسطة مكبرات الصوت نتكلم مع أقربائنا، نطمأن عليهم، ونطمئنهم عن أحوالنا، منذ سنتين تكلمت مع إبراهيم الكبير أقصد أخي عبر مكبر الصوت ورأيته عبر المنظار، تصور لم أعرفه، فمازلت احتفظ في ذاكرتي بصورة الفتى ذو الثلاثة عشر عاما، كان أشيبا، وقد كبر كثيرا، علمت أنه تزوج بفايزة، ورزقا بطفلين سميحة الصغيرة التي تحمل اسمي وخليل الصغير الذي يحمل اسم أبي.

وها نحن نعيش في بلد واحد يفصلنا شريط شائك، صنعه الاحتلال ومنطقة هدنة فيها جنود من هيئة الأمم المتحدة.