العود .. آلة موسيقية اكتشفها المصريون القدماء
عن ميدل ايست أونلاين - 05\10\2012
لعله من الشائع جدا في عالم الموسيقى أنه لا يوجد ما يضاهي عزف العود في الموسيقى
الشرقيه، إنها آله استطاعت أن تحافظ على جمالها عبر العصور. والعود لفظ عربي معناه
الخشب، وهو آلة شرقية عرفت في الممالك القديمة؛ وهو من أهم الآلات العربية في التخت
العربي الشرقي، كما يستخدم في الفردي أو الجماعي لمصاحبة الغناء، ويعتمد عليه معظم
الملحنين العرب عند أغانيهم وتحفيظها أيضا.
وقد كان للعود منزلة ومكانة كبيرة عند العرب، ففي سماعه نفع الجسد، وتعديل النفسية
وتؤكد الدراسات التي وضعت حول تاريخ الموسيقى أن هناك تجسيدات أثرية لآلة العود،
وجدت في مصر القديمة منذ القرن الثلاثين قبل الميلاد، وذلك لشكلها الأولي وعنقها
الطويل، كما وجدت تجسيدات أخرى مماثلة في مرحلة متلازمة، في حضارات العراق القديمة،
وشمال سوريا، حيث لا تزال آلات وترية شبيهة تستعمل حتى الآن.
ولعل هذه المكتشفات تصحح ما كتبه المؤرخون والدارسون العرب حول أصل العود الإيرانى
مع ملاحظة وجود آثار قديمة لاستعمال تلك الآلة في كل من إيران والهند القديمة،
ولكنها لا ترجع في عمقها التاريخى إلى أبعد من تلك التي وجدت في الآثار العربية،
وفي الجدارية الموجودة في قصر "الحير "الغربى الأموى في سوريا.
ومن منظور النقد التحليلى الفني المقارن وفي جميع الكتابات عن الموسيقى، تتجسد قيمة
تاريخية وفنية عالية حول آلة العود؛ حيث استأثرت باهتمام استثنائى وخاص. وفي الأصل
كانت أوتار العود من خيوط الأمعاء، لكن اليوم استبدلت بالنايلون عالي الجودة مثل
الذي يُستعمل في أوتار القيثارة. إنّ الأوتار التركية هي من النوعية الجيدة، أما
الأوتار العربية فتتفاوت الأفضلية من وتر إلى آخر في الصناعة.
• اكتشاف قديم
يقول د. أحمد السنوسي أستاذ الموسيقى بجامعة القاهرة: إن العود اكتشف في مصر
الفرعونية قبل 3500 سنة وبالتحديد في ظل حكم الأسرة الثامنة عشر، وقد بدا ذلك في
النقوش والنحوتات التي عثر عليها العلماء في آثار ومعابد تلك الدولة التي يظهر فيها
العود ذو العنق القصير كآلة أساسية في الفن الموسيقى. وقد عثر العلماء الذين نقبوا
في آثار مدينة طيبة على آلة عود ذات عنق قصير، سلمت من عاديات الزمن وعلى الريشة
الخشبية التي كانت تستعمل في الضرب عليه.
والمعروف أن هناك بعض الآلات الوترية قد سبقت ظهور العود كالصونجة والكنارة، وقد
ورد ذكر آلة العود في (العهد القديم) أكثر من مرة، حيث جاء اسم (يوبال) كمخترع لآلة
العود والمزمار، كما جاءت جملة (ارفعوا نغمة وهاتوا دفا وعودوا حلوا مع رباب) ويقول
الدكتور محمد أحمد الحنفي: إن أول من استعمل العود هو لامك بن شالح بن خطيل بن عياد
بن أحلول بن قايين بن آدم.
• أصل الغناء
أما العالم المؤرخ أحمد باشا تيمور فبين أن تاريخ العود يرجع إلى أيام طوفان نوح،
أما عن أوتار العود فإن آلة العود الآشورية كانت ذات وترين بخلاف العود المصرى الذي
كان بأربعة أوتار. ويدعي الفرس أنهم كانوا السابقين إلى اختراع آلة العود، وكان
العود لديهم ذا عنق طويلة، والريشة التي تستخدم في الضرب عليه من أصداف السلاحف،
ولهذا فإن العود الفارسي يشبه الطنبور.
أما عن العود العربى فيتحدث ابن عبدربه قائلا: "كان أصل الغناء ومعدنه في أمهات
القرى من بلاد العرب ظاهرا، وهى المدينة والطائف وجيبر ووادى القرى، وهذه القرى من
مجامع أسواق العرب، وهذا يعني أن الحجاز بالإضافة إلى مركزها التجارى، كانت مركزا
ثقافيا تتبارى في أسواقه مختلف الفنون السائدة آنذاك.
وكان منصور زلزل – من العهد العباسى – أبرع أهل زمانه في العزف على العود وإليه
يعود الفضل في صناعة العود الكامل أو ما يعرف بعود الشبوط الذي فاق العود الفارسي
جمالا وكمالا، وكان الكندي من عازفي العود المعدودين، وهو أول من فكر في إضافة
الوتر الخامس إلى العود وسماه بالزير الثانى، غير أن تمسكه بأن كل شئ يخضع للعدد
(أربعة) جعله يحجم عن ذلك عمليا، واكتفى بما توصل إليه نظريا عن طريق تسويته الخاصة
– يعنى بدورانه الخاص – شأنه في ذلك شأن الفارابي وابن سينا اللذين جاءا بعده.
وكان الفارابي أيضا أبرع عازفي زمانه على العود، ولهذا فإن شغفه بهذه الآلة جعله
يتعمق في دراستها، كما فكر مثل الكندى في إضافة الوتر الخامس نظريا، ومثله فعل ابن
سينا وفكر في إضافة الوتر الخامس للحصول على ديوانين كاملين. أما الذي حقق هذه
الإضافة عمليا فكان زرياب وقام بصبغ الأوتار بألوان معينة فصبغ الزير الثانى أى
الوتر الخامس الذي أضافه باللون الأحمر، والزير الأول بالأصفر والمثنى بالأحمر وترك
المثلث على لونه الطبيعى الأبيض، أما الرابع وهو أغلظ الأوتار فقد صبغه باللون
الأسود.
• أنواع العود
العود الشائع استخدامه اليوم ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
- العود الكبير: وطوله من الكعب إلى الأنف 73سم، وطول الوتر 63سم، وهو سلطان الآلات
وأصواته تتفق وأصوات المغنيين القوية والقادرة العريضة.
- العود المتوسط، وطوله من الكعب إلى الأنف 66سم وطول الوتر 58سم، وأصواته تصلح
لأصحاب الأصوات الناعمة والرقيقة.
- العود الصغير، وطوله من الكعب إلى الأنف 59سم وطول الوتر 52سم، وتصلح أصواته
الحادة من المغنيات.
على أن أكثر هذه الأعواد استعمالا هو العود الكبير.
وقد انتقلت آلة العود إلى أوروبا منذ القرن الثامن الميلادى، ودخلت بين الآلات
الموسيقية في الفرق الموسيقية وآلة الصالونات، وقد قامت إنجلترا وألمانيا وفرنسا
بصناعة نماذج عديدة منها، ولكن ظهور البيانو الذي استكملت صناعته قضى على آلة
العود؛ لأنه آلة موسيقية مناسبة أكثر من العود في الموسيقى الأوروبية.
الموسيقى والعازف عامر السيد قال عن آلة العود في الشرق: لها مجال صوتي محدد من
الأدنى إلى الأعلى وكذلك لها طابع صوتي مميز، وهي تعطينا فكرة واضحة عن تطور الأداء
على مر السنين، وعلى الرغم من أن دور آلة العود كان كبيرا في التخت الشرقى، فإن
التقنية ومجالات الفرق كانت محدودة.
وقد تأثر الموسيقيون العرب بالموسيقى الغربية في طريقة العزف على العود في مجموعة
أمور؛ فقد أضيفت الأريجات والإكوارات إلى هذه الآلة، واتسع مجال المقام كما هي
الحال في السلم الغربى أكثر فأكثر، ما اضطر العازف إلى استخدام بوزويونات أوضاع
جديدة للدخول إلى عمق صدر العود ضمن مجالات ثلاثة أوكتافات تقريبا، واستعمال
السلالم الكتروماكتية الملونة أي تسلل درجات السلم بأبعاد الأنصاب، استعمال القفزات
الجريئة في المسافات الموسيقية التي لم تكن موجودة إلا بقلة في موسيقانا التراثية:
الموشحات، والقائد، وغيرها. والفنان المبدع هو الذي سوف يفتح الآفاق المستقبلية
لآلة العود، عندما يفتش عن المضامين والأشكال الجديدة في الموسيقى العربية مع
المحافظة على الأصول والجذور ولا مانع من تكسير وانتقالات مقامية جريئة جدا للحصول
على أجواء مسارات جديدة أكثر، وهناك جرأة أكبر في التكسير. والقصد أن آفاق المستقبل
لآلة العود لا تفتح كما يجب إلا من خلال العازف ذي المهارة التقنية العالية مرافقة
بالفكر الموسيقى والوعي لتاريخ الموسيقى وحاضرها ومستقبلها.
• حدث في العامرية
وعلى المستوى المعاصر، يُعتبر الفنان العراقي نصير شمه من عازفي العود المعاصرين
الذين تمكنوا من تحقيق مكانه مميزه في هذا المجال، حيث أسس شمه "بيت العود العربي"
لتعليم الموسيقى في القاهرة، ومن خلال عشقه منذ الصغر لآلة العود الشرقية جعلها
حاضرة جنباً إلى جنب مع أغلبية الآلات العالمية المعروفة، فتميّز بالعزف على آلة
العود وانتهج لنفسه أسلوباً خاصاً في العزف صار يعرف باسمه. ومن أبرز الروائع التي
قدمها شمه مقطوعاته عن "حدث في العامرية" التي صور عبرها ما حدث من وقائع هذه
المحرقة في ملجأ العامرية، حيث قدمها عزفا ليجعلنا نسمع ونتخيل معاناة الأطفال،
وبكائهم، وصراخهم، فقد أنطق العود وحوله الى راوٍ حقيقي لتفاصيل تلك المأساة
الإنسانية.