مصر القديمة .. طب وسحر ودين
عن ميدل ايست أونلاين - 09\12\2012
يعتبر كتاب "الطب المصري القديم" لمؤلفه الدكتور "جون إف . نن" أحد أهم خمسة كتب عن
مصر القديمة. والمؤلف "د. جون نن" كان يعمل قبل تقاعده رئيسًا لقسم التخدير في مركز
الأبحاث الإكلينيكية لمجلس الإبحاث الطبية، وله عدد من الكتب والأبحاث عن مصر
القديمة، وفي هذا الكتاب الذي ترجمه د. عمرو شريف ود. عادل وديع فلسطين.
يتناول المؤلف دور مصر القديمة في مهنة الطب الذي سبق الدنيا عن طريق البرديات
الطبية التي تمثل المصدر الرئيس للمعلومات. فكل بردية لها مصدرها، لغتها، تاريخها،
بناؤها، محتواها، ويكشف أن المصريين اعتمدوا على العلوم الطبية الأساسية تماماً مثل
الطب الحديث، وحددوا أفرع الطب المتخصصة ليصل الأمر إلى الجراحة والإصابات، كما
قسموا المرض تارة بناء على أسبابه وأخرى تبعاً لأجهزة الجسم وأعضائه التي تصيبها
الأمراض والعلاج الوقائي مع المنهج العلمي المتبع، سواء في أسلوب عرض وفحص المريض
أو خطوات علاجه وتحديد دور الأطباء وطريقة تدريبهم والخدمات المعاونة كالصيدلية
والتمريض والطب الطبيعي، كل ذلك يجاور الدور القوي للسحر والدين في داخل المنظومة
الطبية القديمة ومدى العلاقة بين مهام كل من الطبيب والساحر والكاهن.
في البداية يذكر المؤلف: إن هناك العديد من المصادر التي تميط اللثام وتعطينا فكرة
واضحة عن ممارسة الطب عند المصريين القدماء. وأهم هذه المصادر البقايا الآدمية،
ودراسة الموميات التي تحمل علامات مرضية، وأيضًا رسوم ونقوش وتماثيل المعابد
والمقابر وما هو مدون عن الأمراض في البرديات غير الطبية، لكن تبقى البرديات الطبية
المصدر الرئيس والأهم لتلك المعلومات.
ومن أهم المراجع الأخرى وأشملها حول البرديات الطبية: "قواعد اللغة المصرية" لـ "جارديز"
1957، و"قاموس اللغة المصرية في المملكة الوسطى" لـ " فولكتر" 1962 والحاجة لهذين
المرجعين كبيرة.
ويذكر المؤلف: إن "بردية إدوين سميث" من أكثر البرديات الطبية أهمية، عرضها مصطفى
أغا للبيع عام 1862، واشتراها إدوين سميث وهو أميركي كان يقيم في الأقصر خلال
الفترة ما بين عامي 1858، 1876. ولا يعرف بالتحديد المصدر الأول لبردية إدوين سميث،
ولكن يعتقد أنها أخذت من مقبرة طبيب ضمن جبانات طيبة الموجودة في الضفة الغربية
للنيل قبالة الأقصر. وتعالج البردية كل حالة مرضية في أربع فقرات منفصلة، وهي:
العنوان "وهو دائمًا مختصر، الفحص الطبي" يبدأ دائمًا بـ "إذا قمت بفحص رجل يعاني
من …"، "التشخيص وتقدير مال الحالة": يبدأ هذا الجزء بعبارة "وبذلك نستطيع أن نقول
إن المريض …"، والعلاج هو الجزء الأخير، ولا يذكر عندما تكون الحالة حرجة أو غير
قابلة للشفاء.
ومن العلوم الطبية الأساسية عند المصريين القدماء، يشير المؤلف أولًا: علم التشريح:
ذكر المؤزخ كليماندوس السكندري "ولد حوالي عام 1500" أن المصريين القدماء كان
بحوزتهم كتاب يضم معلومات عند تشريح جسم الإنسان، وقد يكون هو الكتاب الذي نسبه
مانيتو إلى "أثديش" ولم يعثر عليه حتى الآن. ويوجد في بردية "إدوين سميث" ما يؤكد
المعرفة الجيدة للمصريين القدماء بعلم التشريح والكثير من هذه المعلومات مدون في
الهوامش والشروح التي تم إضافتها لاحقاً للنص الأصلي، الذي يعتقد أنه كتب خلال
المملكة القديمة والنسخة الباقية معنا تعالج التفاصيل التشريحية للرأس وخاصة
الجمجمة.
ومن أمراض مصر القديمة، يذكر المؤلف: "الأمراض البكتيرية والفيروسية، يقول: يواجه
اكتشاف الأمراض البكتيرية والفيروسية في المومياوات والهياكل العظيمة الكثير من
العقبات، ومن هذه الأمراض الدرن "السل" في عام 1910 ثم التوصل إلى حالة سل العمود
الفقاري في جثمان "نس باري هان"، وهو من كهنة آمون في الأسرة الحادية والعشرين.
وهذه الحالة تظهر مرضًا معروفًا هو مرض بوت الذي يسبب انخماصًا واعجوجًا في الفقرات
الظهرية، مما يؤدي إلى تحدب الظهر، ومن المضاعفات الخطيرة لمرض "بوت التقيح" الدرني
الذي يصيب الفقرات وينتشر إلى أسفل تحت غشاء العضلة الحرقفية الكبرى في اتجاه
الحرقفية ويظهر كخراج.
ويضيف: عثر في مومياء من الأسرة العشرين على مرض جلدي يشبه مرض الجدري كما وصفت بعض
علامات الجدري في البقايا الآيمة. وإذا كانت هذه التشخيصات صحيحة فتكون حالة رمسيس
الخامس التي وصفها إليوت سميث 1912، هي الحالة المثالية لتجسيد المرض، وليس هناك في
البرديات الطبية ما يغير لهذا المرض.
ويتناول المؤلف "السحر والدين في الطب المصري القديم" قائلًا: لم يكن في العصر
الفرعوني تمييز ذو بال بين السحر والدين، وإذا كان هناك اعتقاد بأن سبب المرض قوى
خارقة، فمن المنطقي الاستعانة بقوى خارقة أيضًا للوقاية من المرض والشفاء منه،
وكذلك لاتقاء هجمات الحيوانات الخطيرة، ومن الخطأ إنكار تأثير السحر كأسلوب فعَّال
في العلاج عند المصريين القدماء. فتوقع الشفاء والإيحاء للمريض بإمكانية حدوثه وبث
الأمل داخله يؤدي دورًا كبيرًا في الشفاء، خاصة فيما يتعلق بالإحساس بالألم.
ويضيف المؤلف: تؤكد البرديات الطبية على أن هناك قوى خبيثة ضارة تدخل الجسم من
الخارج وتعالج بردية "إيبرز" هذا المفهوم مع التمييز بين جانبي الجسم: "تدخل نسمة
(زفة) الحياة في الأذن اليمنى، كما تدخل نسمة الموت في الأذن اليسرى، كما تصف
الحالة رقم 8 من بردية (إدوين سميث) كسرًا واسعًا في الجمجمة غير مصحوب بجرح في جلد
الرأس، ويأتي التعليق ليؤكد دخول قوة خارجية خطيرة خبيثة من خارج الجسم "بالنسبة
للشيء الذي دخل من الخارج فهو زفرة إليه، أو نسمة الموت، وما حدث ليس بسبب دخول شيء
محسوس من الجلد واللحم إلى الجمجمة".
ويذكر المؤلف أن هناك شواهد متعددة في بردية "إدوين سميث" وأجزاء من بردية "أيبرز"
تشير إلى أن المعالجين المصريين القدماء كان يتبعون في تعاملهم مع مرضاهم منهجًا
ثلاثي الخطوات: أولًا: كانوا يستمعون لشكوى المرضى، ويسجلون الأعراض المرضية، ثم
يقومون بفحصهم مستخدمين أعينهم وأيديهم، كما يظهر في هذه الحالة: "إذا قمت بفحص رجل
يعاني انسداد معدته، ويعاني أثناء تناول الطعام وبطنه متشنجة، وقلبه ضعيف للغاية،
ويعاني السخونة والتهاب فتحة الشرج، عليك أن تفحص هذا المريض وهو راقد على ظهره،
ستجد بطنه ساخنة، وستجد انسدادًا في معدته "إيرز 188". ثم عليك أن تضع يديك فوق
معدته، ستجد معدته متقلصة "سك" تتحرك جيئة وذهابًا.
وتشير الشواهد الكثيرة أن الكلمة المصرية القديمة "سونو" swnw أو "سينو" sinw تعني
طبيبًا أو من يمارس الطب التقليدي. وكما ترمز السماعة للطبيب هذه الأيام تأتي جملة
"وضع اليد" التي جاء ذكرها مرات عديدة في البرديات الطبية، كعلامة مميزة للطبيب في
مصر القديمة وكان يطلق على جميع الأطباء اسم "سونوswnw" غير أن بعض الأطباء
المتميزين للغاية كانت لهم ألقاب خاصة ومن الممكن تمييز ست مراتب خاصة لصفوة من
الأطباء. وأكبر الرتب على قمة هذا الهرم قد تكون "خريب سونو" التي تعني المنظم أو
مدير الأطباء أما "سي هيدج سونو" فهو الطبيب المفتش. أم اللقب الأكثر شيوعًا فهو
السيد الطبيب "ورسنور".
ومن أعلام الطب المصري القديم يذكر "دي جير" كان دي جير "أثوثيس" فرعونًا من الأسرة
الأولى، و"إمحتب" كان إمحتب وزيرًا للملك زوسر "نت جرخت" في الأسرة الثالثة، وهو
مهندس ومؤسس هرم سقارة المدرج، أقدم بناء حجري في التاريخ باقٍ حتى اليوم، و"أمنحتب
بن هابو" عثر في معبد الكرنك على قاعدة لتمثال، نقشت عليه هذه العبارة التي نسبت
لإحدى بنات "بسماتيك الأول" من الأسرة السادسة والعشرين . "أوه .. أيها الأمير
إمنحتب بن هابو – لك الرحمة – تعال أيها الطبيب الماهر، استمع إلى أنتي أعاني في
عيني .. أشفني على النور فقد صنعت لك هذا التمثال، وكان "أمنحتب بن هابو" كاتباً
ملكياً ذا شأن عالٍ تحت إمرة أمنحتب الثالث من الأسرة الثامنة عشرة، لكن ليس هناك
ما يشير إلى إنه كان طبيبًا.
ويقول المؤلف: ليس لدينا ما يؤكد استخدام المصريين القدماء للمواد المخدرة التي
كانت متاحة لديهم في المجال الطبي، فبينما كان الأفيون والحشيش والمندراك معروفين
أثناء المملكة الحديثة، فإن البرديات الطبية تخلو من أي استخدام لهذه المستحضرات.
ويشير المؤلف إلى "الجراحة في الطب المصري القديم"، قائلًا: لقد ترك لنا الطب
"اليوناني – الروماني" ثروة من الآلات الجراحية يقسم الكثير منها بدقته وكفاءته،
وعلى النقيض لم يترك لنا المصريون القدماء آلات جراحية واضحة المعالم، لكن وجدت بعض
الآلات في مقبرة "خان" كانت تستخدم لمختلف الأغراض التجميلية ويمكن استخدامها في
أغراض الجراحة.
ويختتم المؤلف كتابه بتعليق "هيرودوت" على وجود التخصص لدى الأطباء المصريين
القدماء بقوله: "ينقسم الأطباء في مصر القديمة إلى عدة تخصصات كل طبيب يكون مسئولًا
عن علاج مرض بعينه، ولذا يوجد عدد لا حصر له من الأطباء، فمنهم من يعمل في مجال طب
العيون، وآخرون في أمراض الدماغ، أو أمراض الأسنان .. أو أمراض المعدة … وهكذا".
كتاب "الطب المصري القديم" لمؤلفه جون إن . نن صدر ضمن منشورات مكتبة الشروق
الدولية بالقاهرة.